
١. مقدمة
مع التطور التكنولوجي الهائل، أصبحت الجرائم الإلكترونية من أخطر التحديات القانونية التي تواجه الأنظمة القضائية في جميع أنحاء العالم، وتشمل هذه الجرائم الاختراق، التشهير، الاحتيال، الابتزاز، وسرقة الهوية الرقمية، نظرًا للطبيعة غير المادية لهذه الجرائم، فإن إثباتها أمام المحاكم يتطلب أدوات قانونية وتقنية متقدمة، فضلًا عن اتباع إجراءات تحقيق دقيقة لضمان عدم الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة، كما أن التوسع في استخدام التكنولوجيا الرقمية زاد من تعقيد آليات الكشف عن مرتكبي هذه الجرائم، مما يستلزم تطوير أدوات قانونية متطورة تستطيع التعامل مع التحديات الناشئة.
٢. ما هي الجرائم الإلكترونية؟
تُعرف الجرائم الإلكترونية بأنها أفعال غير قانونية تُرتكب باستخدام الإنترنت أو الأجهزة الإلكترونية، وتشمل انتهاك الخصوصية، الاحتيال الإلكتروني، التسلل إلى الأنظمة المعلوماتية، القرصنة الإلكترونية، والابتزاز الإلكتروني، وتضم هذه الجرائم كافة الأنشطة التي تستهدف الإضرار بالأفراد أو المؤسسات أو الحكومات من خلال استغلال التكنولوجيا الحديثة.
وفقًا للقانون المصري، تُصنَّف الجرائم الإلكترونية ضمن الجرائم الجنائية، حيث يخضع مرتكبوها لعقوبات مشددة نظرًا لما تشكله من تهديد للأمن العام، الاقتصاد الوطني، وحقوق الأفراد.
٣. ما هي أنواع الجرائم الإلكترونية؟
وفقًا للقانون رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات في مصر، فإن الجرائم الإلكترونية تتعدد صورها وتشمل:
أ) الجرائم المتعلقة بانتهاك الخصوصية:
تتضمن الجرائم الإلكترونية أفعالًا مثل اختراق الحسابات الشخصية، التجسس على البيانات الخاصة، أو نشر المعلومات الشخصية دون الحصول على إذن، وهذا ما نصت عليه المادة (١٤) من القانون رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات وينص القانون على فرض عقوبات مشددة بحق من ينتهك الخصوصية الإلكترونية للأفراد، حيث قد تصل العقوبة بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتى ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبة.
ب) الجرائم المتعلقة بالاحتيال الإلكتروني:
يتمثل الاحتيال الإلكتروني في استغلال الإنترنت أو الأجهزة الإلكترونية للحصول على أموال أو ممتلكات بطرق غير مشروعة، وقد يشمل ذلك الاحتيال عبر البريد الإلكتروني، التسوق الإلكتروني الوهمي، أو التداول غير القانوني في الأسواق المالية، ويواجه مرتكبو هذه الجرائم في القانون المصري عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، خصوصًا في الحالات التي تؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني.
ج) جرائم القرصنة الإلكترونية:
تُعتبر القرصنة الإلكترونية أو الاختراق غير المشروع للأنظمة المعلوماتية من أخطر الجرائم الرقمية التي ينظمها القانون المصري، ويشمل ذلك الوصول غير المصرح به إلى الأنظمة الحكومية، البنوك، أو المؤسسات الخاصة بغرض سرقة البيانات أو إلحاق الضرر بالأنظمة، ويواجه مرتكبو هذه الأفعال أشد العقوبات المنصوص عليها قانونًا، والتي قد تصل في بعض الحالات التي تهدد الأمن القومي إلى السجن المؤبد.
د) جرائم الابتزاز الإلكتروني:
يشمل الابتزاز الإلكتروني استغلال المعلومات أو البيانات المسروقة للضغط على الأفراد أو الشركات. ويمكن أن يظهر هذا النوع من الجرائم في صور متعددة، مثل التهديد بكشف معلومات شخصية أو تجارية حساسة ما لم يتم دفع مبلغ مالي، ويواجه مرتكبو الابتزاز الإلكتروني في القانون المصري عقوبات صارمة، تتضمن الحبس والغرامة.
هـ) الجرائم المتعلقة بنشر المحتوى غير المشروع
يتضمن هذا النوع من الجرائم تداول محتوى يخالف القوانين، مثل المواد الإباحية، التحريض على العنف، أو نشر معلومات مضللة، ويجرّم القانون المصري نشر المحتوى غير القانوني عبر الإنترنت، مع فرض عقوبات مشددة في الحالات التي يكون لها تأثير سلبي على المجتمع أو تهدد الأمن العام، وهذا ما نصت عليه المادة (٢٥) من القانون رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات وتنص المادة بأن يعاقب بالحبس كل من ارتكب هذه الجريمة مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
٤. ما هي إجراءات إثبات الجرائم الإلكترونية؟
لإثبات الجرائم الإلكترونية، لا بد من اتباع إجراءات قانونية وتقنية صارمة لضمان حجية الأدلة أمام الجهات القضائية، ومن بين هذه الإجراءات:
أ) جمع الأدلة الرقمية: تتضمن الرسائل الإلكترونية، المحادثات المسجلة، الصور، ومقاطع الفيديو التي تثبت وقوع الجريمة، الأدلة الرقمية يتم تحليلها باستخدام أدوات متخصصة لضمان موثوقيتها، مثل تحليل البيانات الجنائية الرقمية.
ب) تقارير الخبرة الفنية: يستعين القضاء بخبراء متخصصين في الجرائم الرقمية لتحليل الأجهزة الإلكترونية واسترجاع البيانات المحذوفة، وفقًا للإجراءات المحددة في قانون الإثبات المصري، وتلعب هذه التقارير دورًا هامًا في تحديد مصدر الأدلة الرقمية ومدى موثوقيتها.
ج) التوثيق القانوني: يشمل تحرير محاضر رسمية بواسطة الجهات المختصة، مثل مباحث الإنترنت، لضمان الاعتراف بالأدلة الرقمية أمام المحاكم، كما يشمل إصدار أوامر تفتيش إلكترونية لجمع الأدلة من الأجهزة الرقمية.
د) التعاون مع مزودي الخدمة: يتيح القانون لمقدمي خدمات الإنترنت تسليم بيانات التسجيل سجلات التصفح الخاصة بالمشتبه بهم بموجب أوامر قضائية صادرة عن النيابة العامة.
هـ) استخدام تقنيات التحقق الرقمي: مثل البصمات الرقمية والتوقيع الإلكتروني لضمان صحة الأدلة الرقمية وحمايتها من العبث أو التعديل.
٥. ما هي التحديات القانونية في الإثبات؟
أ) إخفاء هوية الجناة: يعتمد مرتكبو الجرائم الإلكترونية على تقنيات مثل الشبكات الخاصة الافتراضية والتشفير لإخفاء هويتهم، مما يصعب عملية تعقبهم، كما يستخدمون العملات الرقمية لإخفاء آثار معاملاتهم المالية.
ب) قابلية الأدلة الرقمية للتلاعب: نظرًا لأن الأدلة الرقمية يمكن تعديلها أو حذفها بسهولة، فإن القوانين تتطلب توثيقها من قبل جهات رسمية لضمان موثوقيتها، وذلك عبر استخدام تقنيات رقمية لضمان سلامة الأدلة.
ج) اختلاف التشريعات الدولية: نظرًا للطبيعة العابرة للحدود للجرائم الإلكترونية، فإن الاختلاف في القوانين بين الدول يعرقل عمليات التعاون القانوني وتسليم المجرمين، مما يستدعي تطوير اتفاقيات دولية تعزز من تبادل المعلومات والمساعدة القانونية المتبادلة.
د) قصور الوعي القانوني: يواجه الضحايا صعوبة في فهم الإجراءات القانونية اللازمة لحفظ حقوقهم، ما يؤدي إلى ضياع بعض الأدلة الحيوية قبل تقديمها للسلطات، كما أن بعض الأجهزة الأمنية تفتقر إلى التدريب الكافي في مجال التحقيقات الرقمية.
٦. ما هي التشريعات المنظمة للجرائم الإلكترونية؟
في مصر: القانون رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والذي ينظم كافة الأفعال غير المشروعة المرتبطة بالإنترنت، ويحدد العقوبات المقررة لها، مع فرض عقوبات تصل إلى السجن والغرامات المالية الضخمة.
٧. خاتمة
إثبات الجرائم الإلكترونية يتطلب منهجًا قانونيًا وتقنيًا متكاملًا لمواكبة التطور المستمر في وسائل ارتكاب هذه الجرائم، كما أن تطوير التعاون الدولي والتشريعات الوطنية يعد أمرًا ضروريًا لضمان فعالية مكافحة هذه الجرائم، مع ضرورة توعية الأفراد والمؤسسات بالإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوقهم في الفضاء الرقمي، ويظل الابتكار في تقنيات التحقيق والتحليل الجنائي الرقمي عنصرًا أساسيًا في تعزيز قدرة الجهات الأمنية والقضائية على التصدي لهذه الجرائم بفعالية.
(بقلم أ/ محمد عفيفي المحامي ١٩/٠٣/٢٠٢٥)
ت/ ٠١٠٧٠٥٩٤٤٤٦
ايميل/ mohamed.afifi@aiolegalservices.com
Leave a Reply